أحمد بن ابراهيم النقشبندي

49

شرح الحكم الغوثية

--> بك حتى قال لك : ها أنت وربك ، فحينئذ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية ، فتحسن أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية ، ويغطي أيضا نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم ، أو غطى نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود . وقال الشيخ زروق رضي الله عنه : ستر فقرك بغناه ، وذلك بعزه ، وعجزك بقدرته ، وضعفك بقوته ، ويصرفك عن شهود ذلك منك وإليك بشهود ما منه إليه انتهى . قلت : وهو لازم لما فسرته به من وصف العبودية ونعت الحرية ، فوصلك حينئذ بما منه عليك من الإحسان ، واللطف والامتنان ، لا بما منك إليه من المجاهدة والطاعة والإذعان ، ومثال النفس كالفحمة كلما غسلتها بالصابون زاد سوادها ، فإذا اشتعلت فيها النار ونفخ فيها الريح كستها النار ولم يبق للون الفحمة فيها أثر ، فكذلك أوصاف البشرية إذا كساها نور الروحانية تغطت ظلمة البشرية ، ولم يبق لها أثر فتنقلب البشرية في صفة روحانية ، وفي ذلك يقول الششتري في بعض أزجاله : زالت البشريّا * فمتى ما يبين لي في صفا روحانيّا * وتحوّلت غيري والنار التي تحرق البشرية : هي مخالفة الهوى ، وتحمل النفس ما يثقل عليها ، كالذل والفقر ونحوهما مع دوام ذكر الاسم المفرد ، فكلما فني فيه ذابت بشريته وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته ، فحينئذ يكون الحكم لها فتغيب في نور مذكورها ، وتغرق في شهود عظمة محبوبها ، فحينئذ يحصل الوصال ، ويتحقق الفناء في ذي العظمة والجلال . وللششتري أيضا رضي الله عنه : فالتفت الخطاب ، وسمعت مني ، كلي عن كلي غاب ، وأنا عني مغني ، وارتفع لي الحجاب ، وشهدت أني ، ما بقي لي أثر ، غبت عن أثرى ، لم أجد من حضر ، في الحقيقة غيري ، وباللّه التوفيق هذا آخر الباب الثالث عشر . وحاصلها : أمرك بالتعلق بأوصاف الربوبية ، والتحقق بأوصاف العبودية وعدم مشاركتك له في وصف الحرية ، وما تعودت به من ذلك فأخرق لها تلك العوائد هنالك حتى تتهذب وتتأدب ، وتكتفي بعلم الحال عن وجود الطلب ، فيكون طلبها شاهد حالها من الذلة والانكسار ، وظهور الفاقة والاضطرار ، فحينئذ تترادف عليها المواهب ، وتنال بذلك غاية المطالب ، ومنتهى الرغائب ، وهو الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس ، من غير حيلة ولا اكتساب ، وإنما هو منة من الكريم الوهاب ، منّ عليها بالوصول ، وتفضل عليها بالقبول .